ٱراء واتجاهات


فن خسارة الحلفاء

الأحد - 12 يوليو 2026 - الساعة 10:53 م

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب









في السياسة كما في الحروب، لا وجود لتحالفات مجانية. فكل من يتعامل مع حلفائه بوصفهم أدوات لا شركاء، يكتشف، ولو بعد حين، أنه كان يستنزف أهم مصادر قوته. فالحروب لا تُحسم بالقوة وحدها، وإنما بحسن إدارتها، وأول شروطها إدراك أن الحليف ليس مورداً مجانياً، ولا بنداً في خطة عمليات، ولا وقوداً لحرب لا يرى في نهايتها مستقبله.

في اليمن، وبعد أحد عشر عاماً، لا تبدو الأزمة غامضة بقدر ما تبدو مثقلة بتفسيرات سياسية متبدلة. فالوقائع الكبرى بقيت على حالها.. الجبهات لا تتغير، والمجتمعات لا تغادر أحلامها، والشرعية لم تتجاوز عثرتها عدا في نبرة الخطابات. أما الذي تبدل فعلياً فهو تعريف السياسة لأهدافها وحلفائها، كلما عجزت عن التكيف مع واقع لم يطاوع حساباتها.

في البداية كان الهدف واضحاً، إعادة "الرئيس الشرعي" إلى صنعاء، وتقليص النفوذ الإيراني. وبعد سنوات طويلة، أصبح السؤال أكثر تواضعاً: من بقي من الشرعية الأصلية؟ بل من هو الرئيس الشرعي؟ ومن بقي من الحلفاء؟ وهل تقلص النفوذ الإيراني، أم اتسعت هوامش حضوره؟

ولأن بعض السياسات تميل إلى إدارة الحلفاء أكثر من إدارة الصراع، جرى التعامل مع القوى الفاعلة على الأرض باعتبارها عبئاً ينبغي احتواؤه أو إقصاؤه، لا رصيداً ينبغي الحفاظ عليه. وهكذا انشغلت قيادة التحالف بإعادة ترتيب معسكرها أكثر مما انشغلت بإرباك خصومها، حتى بدا في لحظات كثيرة وكأن الحرب تدور داخل صفوفه، بينما كان الخصم يراقب المشهد بصبر لا يكلفه كثيراً.

وهنا لا تكمن المشكلة في التخلي عن حليف فحسب، بل في الاعتقاد بإمكانية مصادرة وزنه. فالقوة على الأرض ليست منصباً يُسحب، ولا رتبة تلغى، ولا فرقة عسكرية يعاد تشكيل قيادتها. إنها صلة متجذرة بالواقع والناس والتاريخ والتضحيات، وحضور لا تلغيه القرارات ولا تمحوه الترتيبات.

لذلك قد تستطيع الدول تبديل تحالفاتها، لكنها لا تستطيع محو الثقل الذي راكمه حلفاؤها. ومن يظن أنه قادر على صناعة الحرب أو التسوية بعد إقصاء الطرف الأكثر حضوراً، يكتشف أن ما استبعده من حساباته يظل الأكثر تأثيراً في نتائجها.

ولعل أكثر ما يثير المفارقة أن سياسة الرياض، بعد كل هذه السنوات، لم تبتعد عن كثير من أهدافها الأولى فحسب، بل ضيقت أيضاً دائرة الشركاء. وكلما انكمشت هذه الدائرة، ازداد الاعتماد على هياكل جديدة وسلطات شكلية ومنصات إعلامية، تتسع فيها مساحة الخطاب أكثر مما تتسع مساحة الفعل. وليست هذه مفارقة طارئة فحسب، بل قانون قديم في السياسة. فالدول لا تخسر لأنها تعجز عن هزيمة خصومها، بل لأنها تنجح، بصبر وإصرار، في إنهاك أصدقائها.

أما الجنوب، فقد بقي على عادته، لا يغير مشروعه كلما تبدلت العواصم، ولا يعيد تعريف نفسه مع كل بيان سياسي. وهذه ليست فضيلة ولا نقيصة، وإنما سمة المجتمعات الصابرة التي تصوغ خياراتها من تاريخ طويل، لا من تقلبات التحالفات.

وربما لهذا تبدو حاجة السعودية اليوم أقل إلى مبادرات جديدة، وأكثر إلى شجاعة المراجعة. فالتاريخ، على عكس السياسة، لا يجامل أحد ولا يمنح علامات على حسن التبريرات، وإنما على النتائج. وقد تخسر الدول معاركها أمام خصومها، لكن أخطر الهزائم هي تلك التي تصنعها بنفسها، حين تستنزف حلفاءها، أو تتوهم أنها قادرة على الاستغناء عمن شاركوها صناعة معادلات الصراع.
وذلك، في النهاية، هو فن خسارة الحلفاء.


أحمد عبد اللاه