ٱراء واتجاهات


محاولة تأصيل المناطقية في الجنوب

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 01:04 م

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب




ليس ما يُلام عليه الإنسان أن يعتز بمسقط رأسه أو يدافع عن حقوق منطقته، فتلك الأمكنة تسكن الوجدان والذاكرة. لكن الخلل يبدأ حين تتقدم الجغرافيات على الوطن في الوعي، وتتحول المنطقة من جزء في هوية أوسع إلى هوية نهائية قائمة بذاتها. ويزداد الخطر عندما تصبح الجغرافيا معياراً للحقيقة، ويُقاس الناس بأماكنهم وليس بأفكارهم ومواقفهم ومشاريعهم.

عندها يفقد البلد معناه الجامع، ويتحول إلى خرائط متجاورة تتنازع أكثر مما تتكامل. فالتعصب المناطقي، خصوصاً في اللحظات الحرجة، ليس دليلاً على قوة الانتماء وإنما على ضيق أفقه. وتجارب الأمم تؤكد أن الجغرافيا حين تُرفع إلى مرتبة العقيدة تصبح أكثر قدرة على تمزيق المجتمعات واستنزاف طاقاتها.

فالمنطقة جزء من الوطن، أما الاخير فليس جزءاً من أي شيء، ولا تابعاً لأي جهة. ومن يخلط بين الأمرين قد يجد نفسه يدافع عن حدود المكان بينما يخسر المعنى الذي يمنح ذلك المكان قيمته ومكانته.

إن أقسى ما يواجه الجنوب اليوم ليس خصومه من خارجه بقدر ما يواجه محاولات تأصيل المناطقية في داخله، وكأنها قضية تاريخية أو هوية قائمة بذاتها، مع أن المناطق ليست أيديولوجيات ولا أدياناً ولا طوائف، وإنما يجري توظيفها لإضعاف النسيج الاجتماعي وتفتيت الوعي الوطني.

ويتجلى ذلك في صناعة ثنائيات حادة ومضللة: نحن الوطنيون والآخر أقل وطنية، نحن الثوار والآخر أقل ثورية، نحن المتحضرون وهم المتخلفون، نحن على حق دائماً وهم على باطل دائماً. ومن خلال هذه التصنيفات يُعاد تشكيل وعي الأجيال، وتُقدَّم للخصوم مواد جاهزة تُستخدم ضد القضية نفسها.

العقل وحده قادر على كسر هذه المعادلة القاتلة. فالجنوب، بكل مناطقه، فضاء متنوع يجمعه مصير واحد، ولا مصلحة له في هذا الإنتاج الغوغائي الذي تروجه بعض المنصات والوسائل الإعلامية. فإثارة المناطقية ليست ظاهرة عفوية، بل عملية ممنهجة تخدم أهدافاً سياسية محددة.

فلتكن المنطقة جذراً من الجذور، وليس سقفاً للوعي ولا حدوداً للانتماء. فالوطن هو الإطار الأوسع الذي يمنح الأمكنة معناها ويصون تنوعها في وحدة جامعة. وما لم يتقدم في الوجدان على ما سواه، ستتسع النزعات الضيقة وتتراجع الفكرة الجامعة وتضيق فرص تحقيق التطلعات الكبرى التي لا تنهض إلا بإرادة وطن يتسع للجميع.
أحمـــــــــــدع