ٱراء واتجاهات


ميون: الجزيرة التي تختصر صراع الممرات في اليمن

الأحد - 05 أبريل 2026 - الساعة 10:30 م

الكاتب: وضاح علي علوان - ارشيف الكاتب




ليست كل الجغرافيا متساوية في قيمتها السياسية. هناك مواقع تُقاس مساحتها بالكيلومترات، وأخرى تُقاس بتأثيرها في توازنات العالم. جزيرة ميون تنتمي إلى النوع الثاني؛ جزيرة صغيرة في المساحة، لكنها تختصر صراعًا دوليًا وإقليميًا معقدًا يتمحور حول من يملك مفاتيح البحر قبل أن يملك مفاتيح الأرض.
تقع ميون في قلب مضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية عالميًا، حيث تمر نسبة معتبرة من تجارة العالم ونقل الطاقة. هذا الموقع لا يمنحها فقط أهمية جغرافية، بل يضعها في صميم ما يمكن تسميته بـ"سياسة الممرات"، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة نفوذ، وأحيانًا إلى سلاح.
في السياق اليمني، تبدو ميون خارج المعادلة التقليدية للصراع الداخلي. فهي ليست مركز ثقل سكاني، ولا تمثل قاعدة سياسية لأي طرف. ومع ذلك، فإن أهميتها الحقيقية تظهر في كونها ورقة سيادية مؤجلة، تستخدم في لحظات التفاوض الكبرى أكثر مما تُستخدم في ميدان القتال. من يسيطر على ميون لا يحسم الحرب داخل اليمن، لكنه يرفع سقف موقعه التفاوضي في أي تسوية قادمة.
إقليميًا، تدخل الجزيرة ضمن شبكة أوسع من التنافس على البحر الأحمر. إيران، عبر أدواتها في المنطقة، تدرك أن السيطرة المباشرة ليست ضرورية بقدر ما هو مهم امتلاك القدرة على التهديد. تحويل باب المندب إلى نقطة توتر محتملة يعني نقل الضغط إلى خصومها في الخليج وخارجه، وفتح جبهة موازية لمضيق هرمز، بما يعيد تشكيل معادلة الردع.
في المقابل، تتبنى دول الخليج، خصوصًا الإمارات، استراتيجية قائمة على الانتشار الذكي في النقاط البحرية الحساسة. من عدن إلى المخا، ومن سقطرى إلى ميون، تتشكل ملامح شبكة نفوذ هدفها ليس السيطرة التقليدية، بل ضمان أمن الملاحة والتحكم في إيقاعها. هذه المقاربة تعكس تحولًا من مفهوم الدفاع الحدودي إلى مفهوم الأمن البحري الممتد.
أما القوى الدولية، فهي تنظر إلى باب المندب باعتباره شريانًا لا يمكن تعريضه للمخاطر. أي خلل فيه ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي، من أسعار النفط إلى سلاسل الإمداد. لذلك، لا يُترك هذا الممر لميزان القوى المحلي فقط، بل يخضع لمعادلة ردع دولية غير معلنة، تُدار عبر القواعد العسكرية في جيبوتي، والدوريات البحرية، والتحالفات الأمنية.
في هذا السياق، تصبح ميون أكثر من مجرد جزيرة؛ تتحول إلى نقطة تقاطع بين ثلاث دوائر:
الدائرة اليمنية التي تبحث عن دولة،
والدائرة الإقليمية التي تبحث عن نفوذ،
والدائرة الدولية التي تبحث عن استقرار الممرات.
ومع اقتراب أي تسوية سياسية في اليمن، ستبرز ملفات غير مرئية في الخطاب الإعلامي، لكنها حاسمة في الواقع، مثل مستقبل الجزر الاستراتيجية، وآليات تأمين باب المندب، وحدود النفوذ الخارجي. هنا، قد لا تُذكر ميون بالاسم، لكنها ستكون حاضرة في جوهر التفاهمات.
الخلاصة أن ميون ليست جزيرة تبحث عن من يسكنها، بل موقع يبحث عن من يفهمه.
ففي زمن تتراجع فيه أهمية الحدود البرية لصالح الممرات البحرية، تصبح السيطرة على نقطة صغيرة كميون أقرب إلى امتلاك مفتاح يفتح أبواب التأثير في الإقليم والعالم.