السبت-21 مارس - 06:16 ص-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


الضالع.. ذكريات صغيرة عن العيد…

السبت - 21 مارس 2026 - الساعة 03:22 ص

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب






لا يمكننا أن نعدّد الأسباب، لماذا يبدو العيد أجمل في طفولتنا، أو أن نضع المشاعر المتنوعة في ميزان اللغة. كل ما في الأمر أننا كنا صغاراً…
كانت الأيام بسيطة بهيجة، والأشجار خضراء عالية، والقمر أقرب، والأسحار هادئة ساجية كما في قصائد الشعر. وكانت طلائع الفجر تزفّها زقزقة العصافير، حتى يستيقظ الصبية، فتبدأ فرقعات صغيرة متفرقة لألعاب نارية متواضعة يشعلها أول من نهض منهم وخرج إلى الأزقة الترابية.

لقد جاء العيد يا رفاق… عيد الفطر.
كانت مدينة الضالع صغيرة جداً، تستريح على منحدر، وتُسنِد ظهرها إلى تلٍّ بركاني. تحيط بها الجبال من مسافات متفاوتة، وأمامها تنفتح سهول زراعية تتسع بانحدار رشيق نحو الشمال، وتتخللها تباب و صخور متناثرة.
خضراء مغسولة بأمطار الصيف، وفي الشتاء تتوشح برداء من الضباب. وكانت الأعياد تتناوب على الفصول، مثلما يوزّعها التقويم الهجري غير المستقر.
بلدة، أو نصف مدينة، هكذا نتخيلها الآن بعد أن اتسعت الحياة، بسيطة عفوية كأنها نبتت للتو في حضن الطبيعة. ومن أمامها تتناثر أشجار متنوعة، تتسيّدها شجرة السوقم ذات الأعمار السبعة، فيما تنساب النسائم صباحاً كأنها تمشط العشب النابت في قلوب الصغار.

البيوت متقاربة، والأزقة ترابية ضيقة تتلوّى بين الجدران الحجرية. وفي صباح العيد تتحول إلى مسارح صغيرة للفرح؛ أطفال يركضون بملابسهم الجديدة، وضحكات تتقافز بين الجدران، وأبواب تُفتح منذ الصباح لتبادل التهاني.

يجتمع الصغار في أماكن متعددة من المدينة؛ في الحارات، أو عند ساحة ترابية بالقرب من المسجد الكبير وفي السوق القديم. يعايدون ويطوفون على بيوت الأقارب، يتلقون القبلات والهدايا الصغيرة والتهاني.

وأحياناً، في نشوة العيد، تطوف بهم “لاند روفر” مكشوفة، يتناوبون، أفواجاً، في رحلات قصيرة مكوكية إلى بلدات مجاورة. تسير بسرعة ذاك الزمان، والهواء يصفع وجوههم بفرح، فيما تبدو الطريق الترابية كأنها تجري في الاتجاه المعاكس قبل أن تبتلعها الحقول والأودية. يدخلون البلدات المجاورة حيثما تأخذهم مهارة السائق، ليشاهدوا ألوان العيد، ثم يعودون تباعاً بعد أن تستقر الشمس في كبد السماء.
ما يزال اليوم طويلاً…
أما الآباء والأجداد، فكانت عيونهم تحمل آثار سهر رمضاني. وكان التعب، حين يختلط بالعيد، يلوّن وجوههم بفرحة منهكة دافئة. يؤدون الصلاة، ويتبادلون العناق، ويقبّلون وجوههم، وبعض التهاني والأماني المكررة تقال حرفياً عاماً بعد عام. كأنهم يفتحون كل مرة صفحة أخرى من الحياة، ثم يعودون إلى بيوتهم تاركين للأطفال الساحات مفتوحة للركض واللعب.
هكذا كان العيد يمرّ في تلك الضالع: بسيطاً، كثيفاً، مفرحاً، واسعاً كالسهل الذي أمامها، وهادئاً كالنسمات التي تعبث بشعَر الصغار.
واليوم، حين نحاول أن نفهم لماذا يبدو العيد أجمل في الطفولة، نكتشف أن السر لم يكن في العيد وحده، بل في تلك الأيام التي كان فيها العالم أبسط… والقلوب أخفّ.
الآن تغيّر كل شيء… كبرنا، وكبر العالم معنا.
اتسعت الفضاءات، وتقاطعت الثقافات، وتقدمت العلوم، وتغوّلت إقطاعيات التكنولوجيا. صرنا نعرف عن تعدد الأكوان، وتشابك الجسيمات، وأن كهوفاً فضائية سوداء تكتم الأسرار. حتى إن “ملوك الجن” في مختبرات الفيزياء يحضّرون نظرية “كل شيء”، لاستيعاب الفوضى الكونية المحكومة بقوانين حتمية.
لكن، رغم ذلك كله، ظلّ في داخلنا شيءٌ صغير لم يكبر… شيءٌ بقي عالقاً هناك، في أول صورة… فكيف يستوعب الخيال كل هذا، ولم يفكّ بعد شيفرة ابتسامة عيدية بعيدة…

لهذا، فإن أكثر ما نحتاجه اليوم ليس سوى أن نرى محاكاة لفضاءٍ ثلاثي الأبعاد؛ ميتافيرس أو لا ميتافيرس… ليس هو السؤال، الأهم أن يعيد لنا ذلك المسرح الملائكي.. لنرى ماذا تغيّر فينا… في المكان، وفي الزمان…
احمد عبد اللاه