ٱراء واتجاهات


وحيداً في قلب العاصفة…

الخميس - 05 مارس 2026 - الساعة 03:01 ص

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب





يجد الخليج العربي نفسه اليوم في وضع بالغ الحساسية، إذ يتلقى ضربات إيرانية مباشرة، وهو الجار الأقرب إلى إيران، بينما لا يتجاوز دعم الحلفاء المعلن في كثير من الأحيان حدود التنديد الإعلامي والتصريحات السياسية. وكأن الخليج، بكل ثقله الاقتصادي والاستراتيجي، تحوّل في هذه الحرب إلى رهينة للمقايضة من أجل إنهائها.

المشهد الإقليمي يكشف مفارقة واضحة. فالولايات المتحدة بدأت الحرب جنباً إلى جنب مع إسرائيل، من دون أن توفر ضمانات ردع حقيقية لحلفائها الخليجيين. كما تقف دول ترتبط بعلاقات وتحالفات وثيقة مع دول الخليج في موقع المتفرج أو الداعم السياسي والإعلامي فقط. فتركيا، الحليف الأقرب لقطر، وباكستان، الحليف التقليدي للمملكة العربية السعودية، لا تبدوان في هذه اللحظة قادرتين على تجاوز حدود المواقف الإعلامية.

لكن المفارقة الأكثر إثارة للانتباه تكمن في طبيعة الضربات نفسها. فإيران توسّع دائرة الاستهداف داخل دول الخليج مجتمعة، بمعدل هجمات يفوق في بعض الأحيان ما تتعرض له إسرائيل نفسها، حتى وصلت الضربات إلى منشآت الطاقة. ويحدث ذلك رغم أن هذه الدول حرصت منذ اندلاع الحرب على منع استخدام أراضيها وأجوائها في أي عمليات عسكرية ضد إيران. ومع ذلك، لم يشفع هذا الحذر لها، ولم يمنع دخولها دائرة الاستهداف.

في المقابل، يبدو أن طهران تتعامل بحسابات مختلفة مع القواعد الأمريكية الموجودة لدى جيرانها من غير العرب. فالقواعد الأمريكية في تركيا أو في أذربيجان وبعض مناطق آسيا الوسطى لم تدخل ضمن بنك الأهداف. وهذا التباين يثير تساؤلات سياسية واستراتيجية حول طبيعة الحسابات الإيرانية، وحدود التصعيد التي تقبل بها، وكذلك حول موقع الخليج في معادلة الردع الإقليمي.

غير أن الأزمة لا تقتصر على الحسابات العسكرية والسياسية فحسب. فبعض الخطاب الإعلامي العربي كشف عن مشكلة أعمق تتعلق بحالة الانقسام داخل النخب السياسية والإعلامية. فقد ظهر التعاطف في كثير من الأحيان بصورة انتقائية تحكمها الأهواء السياسية، حتى وصل الأمر ببعض الإعلاميين إلى تضخيم الأحداث، حد التشفي، في دولة خليجية والتقليل من شأنها في دولة خليجية أخرى. وهي ظاهرة تعكس حالة من التشظي في الخطاب العربي خلال واحدة من أسوأ المراحل التي تمر بها النخب العربية سياسياً وأخلاقياً.

في ظل هذا المشهد، يصبح الدرس الأكثر وضوحاً لدول الخليج هو أن التحالفات، مهما بدت قوية، تظل في النهاية محكومة بحسابات متغيرة. فالتاريخ الحديث للمنطقة يثبت أن الحليف الحقيقي قد لا يكون سوى القدرة الذاتية على حماية الأمن والمصالح.

لقد خاضت دول الخليج خلال العقود الماضية تجارب متعددة في بناء التحالفات الدولية والإقليمية، كما صدّرت في مراحل مختلفة خلافاتها إلى الساحة العربية، وصل في بعض الأحيان إلى دعم تنظيمات وأدوات أضعفت النظام العربي وما تزال. لكن الأحداث الراهنة توحي بأن المستقبل قد يفرض معادلة مختلفة: أن يكون الخليج حليف نفسه أولاً، وأن يبني منظومة أمنية أكثر استقلالاً وتماسكاً، تجعل أمنه مسؤولية مشتركة قبل أن يكون موضوعاً للمساومات والتحالفات الخارجية.

كما أن هذا الدرس قد يدفع أيضاً نحو تضامن عربي أكثر موضوعية، والابتعاد عن الاستثمار في الصراعات لبناء نفوذ لا يقدم ولا يؤخر في أوقات الشدائد.
ففي منطقة تتغير فيها موازين القوى بسرعة، يكون الاستنتاج الأهم أن البلد الذي لا يبني قوته الذاتية يبقى دائماً معرض لأن يجد نفسه في قلب العاصفة… وحيداً.
أحمـــــــــــدع