الجمعة-27 فبراير - 02:37 ص-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


الحكاية حين يرويها الآخرون

الخميس - 26 فبراير 2026 - الساعة 11:35 م

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب




لا ينبغي أن يتحول البعض، بوعي أو بدونه، إلى رواة داخل سردية خصوم قضيتهم، ولا أن يقدّموا مادة خاماً تُستغل ضدها، فالانكسار لا يحدث فقط في الميدان، بل يتضاعف حين يُعاد تفسير الوقائع بلغة الخصم ومنطقه وأولوياته.

المشكلة اليوم لا تكمن في الأحداث وحسب، وإنما في غياب الرواية الحقيقية القادرة على تفسيرها و حملها إلى الخارج. فالنوافذ الإعلامية تكاد تكون مغلقة أمام الجنوب، بينما تتدفق الوقائع إلى العالم عبر روايات متعددة: إعلام الشقيقة، ومنصات تنظيمات الإسلام السياسي المحلية والعابرة للحدود، ووسائل خصوم سياسيين وأنداد محليين، جميعهم يملكون أدوات الصياغة والانتشار، وكأنهم يجلسون عملياً في غرفة تحرير واحدة تعيد إنتاج الحكاية وفق مصالحهم.

في المقابل، يتسلل الصوت الجنوبي عبر منافذ ضيقة، محاولاً إيصال الحقائق في بيئة إعلامية غير متكافئة. وقد أسهم حضور لما يمكن تسميته بـ”إعلام جنوبي” على وسائل التواصل الاجتماعي في كسر جزء من هذا الحصار.

غير أن هذا الحضور نفسه لا يخلو من إشكاليات؛ حين يتحول جزء غير يسير منه، بفعل الاندفاع أو غياب الانضباط الخطابي، إلى عبء على الرواية بدلاً من أن يكون سنداً لها، عندما يُنتج ضجيجاً يسهّل على الخصوم إعادة توظيفه ضد القضية ذاتها.

فالمعركة اليوم لم تعد معركة وقائع فقط، بل معركة معنى وتفسير وسردية؛ ومن لا يملك سبلاً لتوصيل روايته، سيجد نفسه ،عاجلاً أو آجلاً. محكوم برواية يكتبها الآخرون عنه ويصبح في وضع دفاع لا ينتهي.

المطلوب اليوم تقييم موضوعي، وخطاب يعيد ترميم ما انكسر، لا خطاب يمعن في الطعن ويضاعف آثار الخسارة.

نعم، كانت هناك أخطاء كثيرة ومفارقات، وتقاطعت المسارات أحياناً مع حسابات لم تكن جزءاً من الإرادة الوطنية، غير أن الحقيقة التي لا يجوز طمسها أن القضية بلغت أقوى مراحلها، وكانت على مقربة من لحظة مفصلية، لولا تدخلات وتعقيدات فرضتها حسابات ومصالح خارجية.

ومن هنا، يصبح الاتزان ضرورةً سياسية قبل أن يكون موقفاً أخلاقياً؛ فلا حاجة لاندفاع عاطفي يبحث عن صدى إعلامي سريع أو ضجيج مؤقت. فالقضايا الكبرى لا تُدار بالانفعالات، بل بالصبر الاستراتيجي، وبإدراك أن الزمن السياسي أطول بكثير من دورة الخبر وتقلبات اللحظة.

الحياة مستمرة، والقيادات التي حملت عبء المرحلة، بكل ما حققته وبكل ما أُخذ عليها من أخطاء، ما تزال حاضرة، ولم تُطوَ صفحتها كما يتمنى البعض، بل أنها ستعود إلى الميدان بعد أن حملت دروس التجربة وعِبَرها؛ فالأمور تُقاس بخواتيمها وتحكم الأشياء بنتائجها ونهاياتها، فيما يظل المستقبل مفتوحاً على احتمالات لم تُكتب فصولها بعد.
أحمـــــــــــدع