الثلاثاء-17 فبراير - 01:26 ص-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


الجنوب بين لحظة التحول وصناعة الدور

الإثنين - 16 فبراير 2026 - الساعة 10:39 م

الكاتب: وضاح علي علوان - ارشيف الكاتب




ليست التحولات الكبرى في تاريخ الشعوب مجرد تبدّل في الوجوه أو إعادة ترتيب للمواقع، بل هي لحظات اختبار عميقة تُقاس فيها قدرة الفاعلين على الانتقال من ردّ الفعل إلى صناعة الفعل. الجنوب اليوم يقف أمام لحظة من هذا النوع؛ لحظة لا يكفي فيها استدعاء الماضي، ولا الاكتفاء بإدارة التوازنات، بل يتطلب الأمر إعادة تعريف الدور في معادلة إقليمية تتشكل من جديد.
المشهد الإقليمي لم يعد كما كان. الخليج يعيد ترتيب أولوياته تحت ضغط الاقتصاد العالمي، وأمن الممرات البحرية بات أولوية تتقدم على الشعارات، والتحالفات لم تعد ثابتة بقدر ما أصبحت مرنة ومحكومة بالمصالح. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الجنوب بوصفه ملفًا سياسيًا داخليًا فحسب، بل باعتباره موقعًا جيوسياسيًا حساسًا يتقاطع فيه أمن الطاقة، وحركة التجارة، وتوازنات البحر الأحمر وخليج عدن.
السؤال الجوهري لم يعد: من يحكم؟ بل: ما هو شكل الدور الذي يمكن أن يلعبه الجنوب في البيئة الإقليمية الجديدة؟
فالدولة في معناها الحديث ليست مجرد سلطة تضبط الأمن، بل كيان ينتج قيمة اقتصادية ويؤسس لشراكات مستقرة. ضبط المجال العام ضرورة، لكنه لا يصنع شرعية مستدامة ما لم يُترجم إلى اقتصاد منتج ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة.
عدن، على سبيل المثال، ليست مجرد عاصمة انتقالية أو عنوان رمزي، بل عقدة بحرية يمكن أن تتحول إلى منصة اقتصادية إقليمية إذا ما أُحسن استثمار موقعها. الحديث هنا لا يتعلق بالميناء فقط، بل بسلسلة متكاملة: مناطق حرة، خدمات لوجستية، بيئة استثمارية مستقرة، وقضاء إداري فاعل. عندها يصبح الأمن نتيجة طبيعية للنمو، لا عبئًا دائمًا على كاهل السلطة.
التحدي الحقيقي أمام النخب الجنوبية اليوم هو الانتقال من خطاب المظلومية إلى خطاب المشروع. فالإقليم لا يتعامل مع العواطف بقدر ما يتعامل مع المصالح الواضحة والرؤية القابلة للتنفيذ. وكلما كانت الرؤية أكثر واقعية ومرتبطة بالاستقرار الإقليمي، زادت فرص الدعم والشراكة.
كما أن العلاقة مع المحيط الخليجي تحتاج إلى إعادة صياغة هادئة تقوم على تبادل المصالح لا على الارتهان. الجنوب يمكن أن يكون بوابة استقرار للمجال البحري الخليجي، لكنه في المقابل يحتاج إلى ضمانات تنموية حقيقية، لا مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.
في لحظات التحول، تتقدم الشعوب التي تملك مشروعًا واضحًا وتتراجع تلك التي تكتفي بإدارة اللحظة. الجنوب أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف نفسه: ليس كطرف في صراع، بل كفاعل في معادلة إقليمية تبحث عن الاستقرار والشركاء الموثوقين.

أن المسألة لم تعد صراع نفوذ داخلي، بل اختبار قدرة على صناعة دور مستدام. ومن لا يصنع موقعه في الخارطة الجديدة، سيُرسم له موقع على هامشها.