ٱراء واتجاهات


حين تصبح العسكرة بديلًا عن الدولة

السبت - 07 فبراير 2026 - الساعة 09:17 م

الكاتب: وضاح علي علوان - ارشيف الكاتب




في لحظات التحوّل الكبرى، تُقاس الدول بقدرتها على بناء مؤسسات لا بتكاثر تشكيلاتها المسلحة. فالعسكرة، مهما بدت مغرية في زمن الفوضى، لا يمكن أن تكون مشروع دولة، بل حلًّا مؤقتًا كثيرًا ما يتحوّل إلى أزمة دائمة حين يُستبدل بها منطق الحكم والإدارة.
حين تصبح العسكرة بديلًا عن الدولة، يتغيّر جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع. فبدل أن تقوم الدولة على العقد الاجتماعي، والخدمة العامة، والاقتصاد المنتج، تُختزل في قوة مسلحة تُدير المجال العام بمنطق السيطرة لا بمنطق التنظيم. هنا لا يعود الأمن نتيجة طبيعية للاستقرار، بل غاية قائمة بذاتها تُبرّر كل شيء، حتى تعطيل الدولة نفسها.
إن التوسع في تشكيل الألوية والقوات، دون أن يواكبه مشروع اقتصادي وتنموي واضح، لا يعالج جذور الأزمة بقدر ما يُعيد تدويرها. فالقوة العسكرية التي لا تستند إلى دولة مؤسسية تتحول تدريجيًا إلى عبء سياسي واقتصادي، وتخلق مراكز نفوذ موازية، وتُضعف فكرة القانون، حتى وإن رُفعت شعارات الأمن ومكافحة الإرهاب.
في المقابل، يمثل الاستثمار في الاقتصاد المنتج — وعلى رأسه التصنيع — نقيض هذا المسار. فالمصانع لا تُنتج سلعًا فقط، بل تُنتج استقرارًا اجتماعيًا، وتستوعب الأيدي العاملة، وتمنح الشباب بديلًا حقيقيًا عن منطق التعبئة الدائمة. المصنع هنا ليس مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل أداة سيادية تُعيد ربط المواطن بالدولة عبر العمل والدخل، لا عبر السلاح والانضباط القسري.
كما أن الدولة التي تبني اقتصادها تقلّل تلقائيًا من حاجتها إلى العسكرة المفرطة. فالأمن المستدام لا يُصنع بكثرة البنادق، بل بوجود ما يحميه الناس: وظيفة، تعليم، أفق حياة. أما الدولة التي تُراكم السلاح دون أن تُراكم الإنتاج، فإنها تُراكم هشاشتها، لأن كلفة العسكرة تُستنزف من قطاعات حيوية هي أساس أي استقرار حقيقي.
لا يعني ذلك إنكار الحاجة إلى مؤسسة عسكرية وطنية، فالدول لا تعيش بلا قوة تحميها، لكن الخطورة تبدأ حين تتحول هذه القوة من أداة بيد الدولة إلى بديل عنها. عندها يصبح القرار أسير ميزان القوة، لا ميزان المصلحة العامة، ويتحوّل المجتمع إلى خزان تعبئة بدل أن يكون شريكًا في البناء.
إن أخطر ما في العسكرة حين تحل محل الدولة أنها تُطيل عمر الأزمات بدل أن تُنهيها. فهي تُدير اللحظة، لكنها لا تصنع المستقبل. بينما الدولة، في معناها الحقيقي، تُبنى بالاقتصاد، والمؤسسات، وسيادة القانون، لا بمنطق الطوارئ الدائمة.
حين تصبح العسكرة بديلًا عن الدولة، يكون السؤال الملحّ ليس: كم لواء نملك؟ بل: أي دولة نريد؟ دولة تُدار بالسلاح، أم دولة يحميها مواطن لديه ما يخسره إذا انهارت؟ هنا فقط يتحدد المسار، وهنا فقط يبدأ بناء الدولة.