الخميس-05 فبراير - 02:07 ص-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


الدولة أم الساحة؟

الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 11:08 م

الكاتب: وضاح علي علوان - ارشيف الكاتب




في كل مرحلة مفصلية من تاريخ الشعوب، يبرز سؤال بسيط في شكله، عميق في معناه:
هل نريد دولة تُدار بالقانون والمؤسسات، أم ساحة تُدار بالهتاف وردود الأفعال؟
المشكلة ليست في التعبير، ولا في الحشد، ولا حتى في الاختلاف السياسي، فكل ذلك جزء طبيعي من أي حياة عامة. المشكلة تبدأ حين تتحول السياسة من أداة إدارة دولة إلى منافسة على من يملأ الساحة أكثر، ومن يرفع الصوت أعلى، ومن يربح الجولة إعلاميًا، بينما تخسر الدولة بهدوء.
خلال السنوات الماضية، اعتاد المواطن على مشهد متكرر:
توتر سياسي، تصعيد إعلامي، ثم انعكاس مباشر على الخدمات والأمن والاستقرار. وكأن حياة الناس أصبحت تفصيلًا ثانويًا في صراع لا نهاية واضحة له. هنا لا يعود السؤال: من على حق؟ بل: من يدفع الثمن؟
الدولة، في معناها الحقيقي، ليست بيانًا سياسيًا ولا مهرجانًا جماهيريًا. الدولة قرار واضح، ومسؤولية، وقدرة على الفصل بين الخلاف السياسي وحقوق الناس الأساسية. حين تختلط هذه الخطوط، يصبح كل شيء مباحًا: تعطيل، تصعيد، تخوين، وتبرير للفشل باسم القضية.
الأخطر من ذلك أن الساحة، حين تُدار بلا ضوابط، تتحول من مساحة تعبير إلى مساحة استنزاف. تُستنزف فيها الثقة، وتُستهلك فيها القضايا، ويُرهق فيها المجتمع. ومع الوقت، يفقد الشارع حساسيته، ويصبح الانفعال بديلاً عن الوعي، والاصطفاف بديلاً عن التفكير.
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح وهو يراهن على الفوضى المنظمة. ولا يمكن لقضية عادلة أن تنتصر وهي تُدار بمنطق تسجيل النقاط. فالتاريخ لا يتذكر من ملأ الساحات، بل من بنى مؤسسات، وحمى استقرارًا، وقدم نموذجًا مختلفًا في زمن الفوضى.
إن تحويل الدولة إلى ساحة مفتوحة هو هروب من المسؤولية، لا تعبير عن القوة. أما إعادة الاعتبار للدولة، فهو الطريق الأصعب، لكنه الوحيد الذي يحفظ كرامة الناس ويصون القضايا من الاستهلاك.

الفرق بين الدولة والساحة ليس في الشكل، بل في النتيجة.
الساحة ترفع الصوت…
أما الدولة فتبني المستقبل.