ٱراء واتجاهات


الرواية التاريخية عند سلطان القاسمي: حين يتحوّل التاريخ إلى ضميرٍ إنساني

الأحد - 11 يناير 2026 - الساعة 06:10 م

الكاتب: د. خالد القاسمي - ارشيف الكاتب





عند قراءة هذه رواية "الأميرة المغولية ودموع الشفقة" للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ، ترى وصفاً وعملاً يتجاوز حدود الحكي التاريخي إلى بناء رؤية معرفية وأخلاقية للتاريخ نفسه. الرواية لا تُعيد سرد الوقائع بوصفها أحداثاً جامدة، بل تعيد إحياء الزمن من داخله، عبر شخصية الأميرة المغولية «كوكاجين – السماء الزرقاء»، التي تتحول من مجرّد أسم في المدونات إلى كيان إنساني نابض بالمعاناة والصمت والشفقة.

أولاً: السرد بوصفه إنقاذاً للتاريخ من الجفاف :
عمل الشيخ الدكتور سلطان القاسمي ، على السرد التاريخي بمنهج مزدوج: صرامة المؤرخ، وحساسية الروائي. فالرواية قائمة على مصادر كلاسيكية رصينة، من «جامع التواريخ» لرشيد الدين الهمذاني إلى مدونات ماركو بولو، لكنها لا تقع في أسر التوثيق البارد.
هنا يصبح السرد فعلاً إنقاذياً، يحرّر التاريخ من قسوته الذكورية المنتصرة، ويعيد الاعتبار للهامش الإنساني: امرأة تُساق عبر القارات، تموت الجيوش من حولها، بينما لا تملك سوى دموع الشفقة.

ثانياً: كوكاجين… التاريخ بوجهٍ إنساني
إختيار شخصية «كوكاجين» ليس اعتباطياً. فهي ليست قائدة جيوش، ولا صانعة قرار، لكنها تمثل الضحية النبيلة للإمبراطوريات الكبرى.
في صمتها المتكرر، وفي دموعها التي لا تتحول إلى خطاب، يبتكر الشيخ الدكتور سلطان القاسمي لغة سردية عالية الرمزية:
الصمت هنا أبلغ من الخطب.
والدموع ليست ضعفاً، بل إدانة أخلاقية للحروب.
بهذا تتحول الأميرة إلى مرآة تعكس وحشية السلطة، وتُدخل القارئ في مساءلة غير مباشرة لفكرة «المجد الإمبراطوري».

ثالثاً: أهمية الرواية تاريخياً
تكتسب الرواية قيمتها التاريخية من ثلاثة مستويات :
- إعادة وصل الجغرافيا: طريق الحرير، بحر الهند، هرمز، فارس، الصين… كلها لا تظهر كمحطات، بل كشبكة حضارية واحدة، تكشف عمق التداخل الآسيوي–العالمي في القرن الثالث عشر.
- تفكيك صورة المغول النمطية: فالمغول هنا ليسوا فقط آلة تدمير، بل عالم سياسي معقّد، له أنساب، وزيجات، وصراعات داخلية.
- دمج التاريخ العالمي في السرد العربي: الرواية تُدخل القارئ العربي في قلب تاريخ آسيا الوسطى والصين والمحيط الهندي، دون وسيط غربي.

رابعاً: ما تضيفه الرواية للمكتبة العربية :
تُعد هذه الرواية إضافة نوعية للمكتبة العربية من جهات متعددة :
ترسيخ الرواية التاريخية الموثقة بوصفها جنساً معرفياً لا يقل قيمة عن كتب التاريخ الأكاديمية.
تقديم نموذج يُحتذى به في الجمع بين الأمانة العلمية والجمال السردي.
توسيع أفق القارئ العربي خارج المركزية العربية–الإسلامية التقليدية، نحو تاريخ عالمي متشابك.

خامساً: الشيخ الدكتور سلطان القاسمي… الرواية بوصفها منهجاً
ليست هذه الرواية استثناءً في مشروع الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، بل هي حلقة في سلسلة من الروايات التاريخية التي يمكن النظر إليها بوصفها منهجاً تعليمياً غير مباشر للأجيال.
فهو لا يكتب للتسلية، ولا للزخرفة اللغوية، بل ليؤسس وعياً تاريخياً:
يعلّم القارئ كيف يقرأ المصادر.
كيف يشكّ في الرواية الواحدة.
وكيف يرى الإنسان خلف الحدث.
إن روايات الشيخ الدكتور سلطان القاسمي تمثل مدرسة قائمة بذاتها، تزاوج بين عقل المؤرخ وروح الأديب، وتقدّم للتاريخ العربي نموذجاً نادراً في النزاهة والعمق والاتساع.

خلاصة :
هذه الرواية ليست حكاية أميرة مغولية فحسب، بل شهادة أخلاقية على عصرٍ كامل، كتبت بقلم يعرف أن التاريخ ليس ما انتصر فقط، بل ما بكى أيضاً.
وبهذا، يؤكد الشيخ الدكتور سلطان القاسمي أن الرواية التاريخية يمكن أن تكون علماً، وضميراً، وجمالاً في آنٍ واحد.


*د. خالد بن محمد بن مبارك القاسمي*